المحقق البحراني

60

الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية

وأمّا قوله : ( وإذا قام الاحتمال بطل الاستدلال ) فهو كلام شعري ، وإلزام جدلي لا يصحّ النظر إليه ، ولا التعريج في مقام التحقيق عليه ، وإلَّا لانسدّ بذلك باب الاستدلال ، واتّسعت دائرة الخصام والجدال ؛ إذ لا قول إلَّا وللخصم فيه مقال ، ولا دليل إلَّا وللمنازع فيه مجال ؛ فإن مجازات الألفاظ لا تعدّ ولا تحصى وإن تفاوتت قربا وبعدا وظهورا وخفاء ، وللزم بذلك انسداد باب إثبات التوحيد والنبوّة والإمامة ، وقامت الحجّة للمخالفين في هذه الأصول بما يبدونه من الاحتمالات في أدلَّة المثبتين ، بل الحقّ الحقيق بالقبول كما صرّح به محقّقو الأصول من أن المدار في الاستدلال على النصّ أو الظاهر ( 1 ) ، ولا يلتفت إلى الاحتمال في مقابلة شيء منهما . وأمّا حديث المشقّة واستلزامها الأذى كما ندّعيه ، فإنّه لا يخفى أن المشقّة لغة إنّما هي بمعنى : الثقل والشدّة والتعب ، فيقال : أمر شاق ، أي ثقيل شديد متعب صعب . قال في كتاب ( القاموس ) : ( شق عليه الأمر شقا : صعب ) ( 2 ) . وقال ابن الأثير في كتاب ( النهاية ) : ( وفيه : " لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة " أي لولا أن أثقل عليهم . من المشقّة ، وهي الشدّة ) ( 3 ) . وقال المفسّرون في قوله سبحانه * ( وما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ) * ( 4 ) : ( أي لا أحمّلك من الأمر ما يشتدّ عليك ) ( 5 ) . وقال الهروي في كتاب ( الغريبين ) : ( قوله تعالى * ( لَمْ تَكُونُوا بالِغِيه إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ ) *

--> ( 1 ) انظر معارج الأصول : 181 . ( 2 ) القاموس المحيط 3 : 364 - شقّة . ( 3 ) النهاية في غريب الحديث والأثر 2 : 491 - شقق . ( 4 ) القصص : 27 . ( 5 ) ذكره في مجمع البحرين 5 : 193 - شقق .